موسى عليه السلام وقصة الخروج. بين التوراة والقران.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

موسى عليه السلام وقصة الخروج. بين التوراة والقران.

مُساهمة  mohamed chliah في الأحد مارس 07, 2010 4:48 pm

مقدمة:
عالج القران الكريم قضايا العقائد والعبادات، كما عالج مسالة الألوهية والشرك، وتطرق أيضا لقصص الأمم البائدة مع أنبيائها، وساق لها عبرا ومواعظ. وذلك بغية تقوية إيمان الناس، والسمو بهم إلى مصاف الكائن المتدبر العاقل والمؤمن. وكان للتوراة صياغتها الخاصة لهذه القصص والأحداث. و قصة موسى مع فرعون من جهة، و خروجه ببني إسرائيل من جهة أخرى، من بين القصص المثيرة التي تطرق لها القران، وكذا التوراة، وعالجاها كل بحسب منظوره وتصوره.
فتبدأ قصة موسى في القران كما في التوراة، بالحديث عن نشأته وترعرعه، ثم الحديث عن اضطهاده من طرف فرعون، وهروبه من مصر، والعودة إليها، والخروج ببني إسرائيل منها، في اتجاه الأرض الموعودة، سعيا إلى تخليصهم من جبروت الطغيان والاستعباد. وكذا الحديث عما لاقاه موسى في طريقه إلى ارض كنعان من تمرد شعبه تارة وإيمانهم تارة أخرى.
الشيء الذي يضعنا أمام زخم من الأحداث المتشابكة والغامضة، التي يسعى هذا البحث إلى فك بعض رموزها، والكشف عن غوامضها، محاولا الإجابة عن الإشكالات الآتية: من هو موسى؟ وكيف كانت نشأته؟ وماذا عن هروبه من مصر وخروجه منها ؟ أسئلة نحاول الإجابة عنها بالاسترشاد بمتن التوراة والقران.



 الفصل الأول : من هو موسى عليه السلام؟
 المبحث الأول : موسى في التوراة.
يعد موسى من الأنبياء الذين كان لهم حضور قوي في التاريخ اليهودي.''فهو البطل القومي والمؤسس الديني والتاريخي للاسرائليين كشعب'' و هناك إشارات قليلة في التوراة تدل على كون موسى نبيا. ''وعلى هذا نجد أن لقب نبي يعطى لموسى لأول مرة في العهد القديم حيث يقول النص: ''وبنبي اصعد الرب إسرائيل من مصر وبنبي حفظ''
وينسب كتاب العهد القديم موسى إلى سبط لاوى. حيث نقرا في التوراة مايلي:
''1وَذَهَبَ رَجُلٌ مِنْ بَيْتِ لاَوِي وَأَخَذَ بِنْتَ لاَوِي، 2فَحَبِلَتِ الْمَرْأَةُ وَوَلَدَتِ ابْنًا.''
واسمه العبراني ''موشى'' بمعنى المنتشل من الماء . فقد ورد في سفر الخروج : ''وَلَمَّا كَبِرَ الْوَلَدُ جَاءَتْ بِهِ إِلَى ابْنَةِ فِرْعَوْنَ فَصَارَ لَهَا ابْنًا، وَدَعَتِ اسْمَهُ «مُوشى» وَقَالَتْ: «إِنِّي انْتَشَلْتُهُ مِنَ الْمَاءِ».''
وجاءت ولادة موسى في ظروف قرر فيها فرعون قتل المواليد الذكور كل سنتين. وشاءت الأقدار أن يولد في السنة التي سيذبح فيها المواليد. لذا قررت أم موسى توريته ثلاثة اشهر، لكن لم يكن من الممكن لها ذلك، فقررت وضعه بين الحلفاء على حافة النهر.وهذا ما نقرا في التوراة: "وَلَمَّا رَأَتْهُ أَنَّهُ حَسَنٌ، خَبَّأَتْهُ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ. وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْهَا أَنْ تُخَبِّئَهُ بَعْدُ، أَخَذَتْ لَهُ سَفَطًا مِنَ الْبَرْدِيِّ وَطَلَتْهُ بِالْحُمَرِ وَالزِّفْتِ، وَوَضَعَتِ الْوَلَدَ فِيهِ، وَوَضَعَتْهُ بَيْنَ الْحَلْفَاءِ عَلَى حَافَةِ النَّهْرِ."
وكتب لموسى أن يعيش في قصر فرعون، بعد أن رأته إحدى جاريات ابنته على ضفة النهر وذهبت به إليها، فرقت له وصار ابنا لها وهذا ما تفصل فيه التوراة قائلة: ولما بلغ موسى أشده، خرج إلى المدينة لتفقد أحوال إخوته العبرانيين، فوجد مصريا يضرب رجلا عبرانيا. فقتل المصري وطمره في الرمل، ثم خرج في اليوم الثاني، وإذا برجلين عبرانيين يتخاصمان، فقال للمذنب: لماذا تضرب صاحبك؟ فقال من جعلك رئيسا وقاضيا علينا ؟ أمفتكر أنت بقتلي كما قتلت المصري؟ ومن ثم عرف موسى بأن أمره قد انكشف فخاف من بطش فرعون، وهرب من مصر في اتجاه مدين، ليبدأ بذلك صفحة جديدة في حياته.
وهنا تذكر التوراة أن موسى عندما وصل إلى مدين، ساعد بنات الكاهن الذي يدعى رعوئيل، على سقي أغنام أبيهن، فاستحسن هذا الكاهن تصرف موسى، وزوجه صفورة إحدى بناته، وفي أثناء إقامته في مدين واشتغاله بالرعي مات ملك مصر. وفي نفس الفترة أوحى الله إليه في جبل حوريب، بأن ينقذ بني جلدته المظلومين من طرف الفرعون وينتقل بهم إلى ارض تفيض لبنا وعسلا ارض الكنعانيين والحثيين والاموريين.. وخاف موسى من عناد المصريين وإلحادهم لما يدعي، فأيده الله بالمعجزات آلاتية: معجزة العصا، ويده التي يدخلها في عبه فتصير برصاء كالثلج، وماء النهر الذي يسكبه على اليابسة فيتحول دما، كما شد أزره بهارون أخيه، نظرا لكونه فصيحا وكون موسى ثقيل اللسان.. فانطلق موسى راجعا إلى مصر. وهنا تسهب التوراة في ذكر بعض التفاصيل التي وقعت له في طريق عودته، حيث التقى هارون بأمر من الله أخاه في جبل الله وجمعا جميع شيوخ بني إسرائيل، واخبرهم هارون بكل كلام الله الذي أوصى به الرب موسى فامن الشعب. ومن هنا تبدأ قصة دعوة فرعون، وتورد التوراة كلاما كثيرا عن عناد فرعون وكفره وعن المصائب التي ابتلاه الله بها والمتمثلة في الضربات العشر: الماء الذي يتحول إلى دم والضفادع والبعوض... كان هذا إذن حديث التوراة عن نشأة موسى عليه السلام. فما هو يا ترى رأي القران الكريم في هذه القصة؟


 المبحث الثاني: موسى في القران الكريم.

تعد قصة موسى عليه السلام أكثر القصص ورودا في القران الكريم، فقد ورد ذكره مائة وستا وثلاثين مرة، في أربع وثلاثين سورة، وقد نالت سورة الأعراف النصيب الأوفر من إجمالي هذا العدد، فقد ذكر كليم الله فيها إحدى وعشرين مرة.
وان شئنا أن نعطي صورة واضحة عن موسى عليه السلام في القران الكريم قلنا: إن كتاب الله قد تطرق إلى هذه الشخصية في أربعة أجزاء:
الجزء الأول: يتناول نشأة موسى عليه السلام وخروجه من مصر إلى مدين، هاربا من فرعون وجنوده، ولقاءه بربه في الوادي المقدس.
الجزء الثاني: يتطرق إلى عودة موسى عليه السلام لمصر، داعيا إلى الله وحده، والصراع بين موسى وفرعون في مصر، وغرق فرعون وجنوده.
الجزء الثالث: يتناول حياة موسى عليه السلام مع بني إسرائيل، بعد غرق فرعون والأحداث العظيمة التي حدثت أثناء ضياعهم في صحراء سيناء.
الجزء الرابع : يتناول بعض القصص التي حدثت لموسى وقومه، لكن القران الكريم لم يحدد لنا زمان ومكان وقوعها، مثل قصة موسى والعبد الصالح، وقصة قارون.
ويهمنا هنا الجزء الأول المرتبط بولادة ونشأة هذا النبي العظيم.
جاءت ولادة موسى في العام الذي يقتل فيه غلمان بني إسرائيل، طبقا لما أمر به فرعون وقد حمل ميلاده هذا خوفا كبيرا لدى أمه. خافت عليه من القتل فأرضعته في السر إلى أن أوحى الله إليها " وأوحينا إلى أم موسى أن ارضعيه، فإذا خفت عليه فالقيه في اليم، ولا تخافي ولا تحزني، إنا رادوه إليك، وجاعلوه من المرسلين." فلم يكن منها إلا أن استجابت لقدر الله. فذهبت إلى النيل وألقت به في المياه، وكان قلبها يحترق ألما على فراقه.
وفي صباح اليوم الموالي، وبينما جاريات فرعون يملأن الجرار من النهر، وجدن الصندوق فحملنه إلى زوجة فرعون. وما أن رأته حتى أحست بحبه في قلبها. على عكس فرعون الذي قرر قتله، لعلمه انه من العبرانيين. قال تعالى "وقالت امرأة فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا" وأوفى الله بوعده لأم موسى حيث حرم عليه المراضع، إلى أن جاءت أمه بطلب من زوجة فرعون، فحملته إلى بيتها وأرضعته في أمان، إلى أن انتهت فترة رضاعته، فأرجعته إلى قصر فرعون. قال تعالى : " فرددناه إلى أمه كي تقر عينها، ولا تحزن، ولتعلم أن وعد الله حق، ولكن أكثرهم لا يعلمون "
وكبر موسى في بيت فرعون، وتربى على أيدي خيرة المربين والعلماء. ولما بلغ أشده راح يتمشى في المدينة فوجد رجلا من أتباع فرعون، وهو يقتتل مع رجل من بني إسرائيل، فتدخل موسى وأزاح بيده الرجل الظالم، فقتله وندم على فعلته، واستغفر ربه فغفر له. و في اليوم الموالي، صادف نفس الشخص الذي استنصره بالأمس، وهو في عراك جديد فحاول أن يتدخل، فذكره الاسرائلي بفعلته في الأمس، فسمع المصري الخبر وراح ينشره، في أرجاء المدينة. فانكشف سر موسى، وإذا به يفاجأ برجل مصري يحذره من مغبة بطش فرعون، وينصحه بالخروج من مصر، ولم يكن منه إلا أن استجاب لنصيحته. وهذا مصداقا لقوله تعالى: "وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين". فخرج خائفا إلى مدين، وكتب له أن يلتقي برجل صالح، فزوجه إحدى بناته، مقابل أن يرعى له الغنم لمدة ثمان سنوات، بعدها قرر وبإلهام من ربه، أن يعود إلى مصر، وفي طريقه، أوحى له الله تعالى بالرسالة، ومعجزتي العصا، واليد، التي يدخلها في جيبه فتخرج بيضاء متلألئة، وشد أزره بأخيه هارون. وكان ذلك في الواد المقدس طوى. وفحوى هذا الوحي أن يدعو فرعون إلى الله برفق ولين ويأمره بترك بني إسرائيل يخرجون من مصر إلى الأرض الموعودة.
بعد أن تطرقنا لقصة نشأة موسى، في التوراة، والقران الكريم، سنحاول من خلال المبحث الموالي، المقارنة بين ما جاء فيهما بخصوص نشأة كليم الله تعالى.
 المبحث الثالث: دراسة مقارنة لحياة موسى بين التوراة والقران:
الملاحظ أن ما ورد في التوراة، لا يختلف كثيرا عما ذكره القران الكريم، بخصوص مولد ونشأة موسى عليه السلام، إلا أن بعض أوجه الاختلاف تكمن فيما يلي :
_ بينما تذكر التوراة السفط الذي وضع فيه موسى مطليا بالزفت والحمر، سكت القران عن هذا الأمر.
_ جاء في سفر الخروج أن التي تبنت موسى عليه السلام هي ابنة فرعون، بينما يذكر القران أن الأمر يتعلق بامرأته.
_ تمت الإشارة في التوراة إلى وضع موسى على حافة النهر، ومعنى هذا انه لم يتم إلقاؤه مباشرة في اليم، عكس القران الذي يذكر أن الله أمر أمه بإلقاء التابوت في اليم أي وضعه بداخل النهر .
_ القران لم يذكر اصل موسى عليه السلام، إلا أن التوراة أشارت باقتضاب إلى أصل موسى ونسبته إلى سبط لآوي.
هناك أمر هام وجب التنبيه إليه، هو أن التوراة والقران، لم يحددا اسم الفرعون الذي عاصره موسى في طفولته. إلا أن هناك بعض المراجع، وباعتمادها على النصوص الهيروغليفية المصرية، وبناءا على ما ورد في حديث التوراة عن سن موسى أثناء بعثته إلى فرعون، الذي حددته في ثمانين سنة، توصلت هذه المراجع إلى أن "موسى عاصر رمسيس الثاني في طفولته وشبابه، وعندما كان في مدين توفي رمسيس الثاني، وتولى الحكم بعده الفرعون منفتاح وهو الذي سيخوض معه موسى معركة الخروج."

بعد أن تطرقنا لحديث كل من القران والتوراة عن مولد موسى ونشأته، سنتطرق في الفصل الموالي لقصة الخروج كما تناولتها كل من التوراة و القران.

 الفصل الثاني: الخروج في التوراة والقران
في هذا الفصل سنتطرق لخروج بني إسرائيل من مصر، هذا الخروج الذي كان نهاية لمرحلة الاضطهاد، التي عانى منها الاسرائليون لفترة طويلة، ونهاية لشخصية فرعون الطاغية، إذ هي المرحلة التي ستنتهي فيها قصة موسى مع فرعون، وتبدأ مرحلة جديدة في دعوة موسى لبني إسرائيل. وبداية سنستعرض خروج بني إسرائيل من ارض مصر كما ورد في التوراة. ثم المقارنة بين ما جاء في الكتابين فيم يخص موضوع الخروج.
 المبحث الأول:قصة الخروج في التوراة.
إن سيرة بني إسرائيل في مصر وخروجهم منها و حلولهم في شرق الأردن، مذكورة بأساليب متنوعة في أسفار الخروج، والعدد، وتثنية الاشتراع، من الأسفار الخمسة الأولى، والسفر الرابع هو سفر الأحبار الذي هو سفر تشريعي بالدرجة الأولى.
فبعد حديث التوراة عن دعوة موسى لفرعون، وما رافقتها من أحداث، انتقلت للحديث عن رحلة الخروج وتفاصيلها، إذ كان عدد الاسرائليين الذين خرجوا مع موسى من الرجال الصالحين للقتال ستمائة ألف رجل، فضلا عن الأولاد والنساء والشيوخ الذين سمح لهم فرعون بالخروج، بعد أن سلط الله على المصريين أشكالا من العذاب لامتناعهم عن إطلاق سراح الاسرائليين، وتذكر التوراة أن طريق الخروج كان من مدينة رعمسيس إلى سكوت، وقد كانت وجهة الاسرائليين هي ارض كنعان، تلك الأرض التي أعطاهم الله إياها بحسب ميثاق إبراهيم مع ربه، إلا أن الله لم يهدهم إلى هذه الأرض لأنه يعلم أن سكانها أقوام أشداء، فخاف عليهم. ففي سفر الخروج نقرا :" وكان لما أطلق فرعون الشعب أن الله لم يهدهم في طريق ارض الفلسطينيين مع أنها قريبة لان الله قال لئلا يندم الشعب إذا رأوا حربا ويرجعوا إلى مصر..وارتحل الاسرائليون من سكوت إلى ايثام، و كان الرب يسير أمامهم ليهديهم إلى الطريق، حيث كان يتمثل لهم في النهار في عمود سحاب، وليلا في عمود من نار ليضيء لهم الطريق.
بعدما استقر المقام بموسى ومن معه في ايثام، طلب الله منهم أن يرجعوا إلى مكان قريب من المصريين، حتى يغروهم باللحاق بهم. ولما رأى فرعون وجنوده الاسرائليين، طاردهم ففزع الاسرائليون، واتهما موسى بالمؤامرة عليهم لابادتهم من قبل فرعون، وهنا تدخل الله وأوحى إلى موسى بان يضرب البحر بعصاه لتصبح الأرض يابسة، ويعبر الاسرائليون إلى الجانب الآخر، ورغم هذه المعجزة تبع فرعون وجنوده موسى ومن معه، وعندما وصلوا إلى وسط البحر أمر الله نبيه أن يمد يده مرة ثانية، وكان ذلك وقت الصبح، فعاد البحر إلى مكانه فغرق المصريون جميعا.ومع نهاية هذا المشهد انتهت علاقة موسى بالطاغية فرعون.
ويمكن اعتبار كل هذا بمثابة المرحلة الأولى من الخروج تليها المرحلة الثانية من بحر سوف إلى ايليم.
ففي التوراة نقرا: "ثم ارتحل موسى من بحر سوف، وخرجوا إلى برية شور، ثم عبروا البحر، وساروا ثلاثة أيام في برية ايتام، ولم يجدوا ماءا فجاءوا إلى مارة، وكان ماؤها مرا فلم يستطيعوا أن يشربوا وتذمروا على موسى، فأوحى إليه الرب وفتح عينيه إلى شجرة، إذا طرحت في الماء صار عذبا، فشربوا منها."
ثم ارتحلوا من مارة وجاءوا إلى أيليم، وكان هناك اثنتا عشر عين ماء، وسبعون نخلة فنزلوا هناك عند الماء.
وتأتي المرحلة الثالثة بالعودة من ايليم إلى بحر سوف. وبعدها تأتي المرحلة الرابعة في الخروج ابتداء من بحر سوف إلى برية سين.

وفي التوراة:
"ثم ارتحلوا إلى برية سين، التي بين ايليم وسينا، في اليوم الخامس عشر من الشهر الثاني بعد خروجهم من مصر. وتذمر الشعب على موسى وهارون، وقالوا لهما ليتنا متنا في ارض مصر بيد الرب، إذ كنا في نعمة وشبع، وها نحن جياع وها أنتما أخرجتمانا إلى هذا القفر لنموت جوعا.''
وبعدها المرحلتان الخامسة والسادسة ابتداء من برية سين إلى الوش ثم إلى رفيديم حيث فاجأهم العماليق بالحرب.
ففي التوراة: "ثم ارتحلوا من برية سين، فنزلوا في دفقة، ثم ارتحلوا منها إلى الوش، ثم نزلوا في رفيديم.واتى العماليق وحاربوا بني إسرائيل في رفيديم، فأمر موسى يشوعا خادمه، لينتخب من الشعب رجالا، ويخرج بهم لمحاربة العماليق، وتغلب بنو إسرائيل عليهم بحد السيف بقيادة يشوع."
أما المرحلة السابعة من الخروج فكانت من رفيديم إلى هضبة سيناء. فقد ورد في التوراة :
وفي الشهر الثالث بعد خروج بني إسرائيل من مصر، ارتحلوا من رفيديم وجاءوا إلى برية سيناء، فنزلوا في البرية في مقابل الجبل جبل سيناء.
وهنا كلم الله موسى، وانزل عليه وصاياه لبني إسرائيل، في لوحين منقوشين باسم الرب، فحدث موسى الشعب بجميع هذه الوصايا والأحكام، وأمرهم أن يعملوا بها، فان رفضوا أو كرهت أنفسهم فسيهزمهم الله أمام أعدائهم .
وتأتي المرحلتان الثامنة والتاسعة من الخروج، انطلاقا من هضبة التيه، في برية سيناء، إلى قبروت، ثم إلى حضيروت.
بعدها المرحلتان العاشرة والحادية عشرة من حضيروت إلى برية فاران ثم منها إلى قادش.
ففي التوراة: وبعد ذلك ارتحل الشعب من حضيروت، ونزلوا في برية فاران، وكلم الرب موسى قائلا: أرسل رجالا ليتجسسوا ارض كنعان.
ثم ارتحلوا من قادش ونزلوا في جبل هور في طرف ارض أدوم•.
المرحلة الثانية عشرة وهي الأخيرة لبني إسرائيل في البرية، منذ خروجهم من مصر، وهي من عين قديس إلى جبال حور ثم إلى كنعان.
ذلك أن موسى أرسل من رؤساء بني إسرائيل، رسلا من قادش، اثني عشر، واحد من كل سبط، وقال لهم اصعدوا تجسسوا الأرض، والشعب والمدن والقلاع، وكل ما ترونه في كنعان. فصعدوا من برية سين حتى رحوب، في مدخل حماة، وظلوا أربعين يوما. ثم رجعوا إلى موسى وقالوا له: قد ذهبنا إلى الأرض التي أرسلتنا إليها، وحقا إنها ارض تفيض لبنا وعسلا، وهذا ثمرها...وهناك رأينا بني عناق، العماليق الساكنين في ارض الجنوب، فكنا في أعينهم كالجراد، ورأينا هناك الحيثيين، واليبوسيين، والاموريين، الساكنين في الجبل، فأما الكنعانيون فإنهم اقرب إلى البحر.
فتذمر الشعب على موسى، وقالوا لماذا أتى بنا الرب إلى هذه الأرض، لكي نسقط بالسيف وتبقى نساؤنا وأولادنا غنيمة. أليس من الخير لنا أن نعود إلى مصر. وأرسل موسى رسلا من قادس إلى ملك أدوم يقول: دعنا نمر في أرضك لا نميل يمينا، ولا شمالا، في طريقنا إلى كنعان فرفض، وحارب بنو إسرائيل الاموريين وطردوهم...ثم ارتحلوا ارتحالا متواليا إلى عربات مواب، عبر أردن أريحا، ونزلوا في وادي زارد، وكلم الرب موسى قائلا: أوصي بني إسرائيل إنهم داخلون على ارض كنعان بتخومها، وسيتولى قسمة الأرض اليعازار الكاهن، ويشوع بن نون ورئيس واحد من كل سبط.
وكانت الأيام التي سار فيها بنو إسرائيل منذ نزولهم في قادش إلى إن دخلوا وادي زارد وثماني وثلاثين سنة حتى فنى كل الجيل الأول الذي خرج من مصر...وهناك كتب موسى هذه التوراة وأوصى بني إسرائيل أن يتلونها في عيد المظال... وبعدها خاطب الرب موسى قائلا اصعد إلى جبل عباريم في ارض مواب قبالة أريحا لاريك الأرض التي وعدت بها إبراهيم وإسحاق ويعقوب...ولكنك لا تدخلها الآن لأنك تموت في هذا الجبل وتضم إلى قومك كما مات هارون أخوك في جبل هور وضم إلى قومه. ومات موسى ودفن في الجواء في ارض مواب وكانت له من العمر 120 سنة... وبكى عليه بنو إسرائيل ثلاثين يوما. وبعد موته كان يشوع بن نون قد امتلأ حكمة فسمع له بنو إسرائيل وعملوا كما أوصى الرب موسى...ويشوع بن نون هو الذي قاد الحرب في كنعان حتى امتلك بنو إسرائيل بالحرب أكثر الأرض هناك وقسمها يشوع على الأسباط الاثنى عشر.كان هذا هو حديث التوراة عن قصة خروج موسى وبني إسرائيل من مصر إلى كنعان.فكيف تطرق القران الكريم لهذه القصة؟

 المبحث الثاني: قصة الخروج في القران:

بعد أن تحدث القران الكريم عن حياة موسى ونشأته و تلقيه الرسالة من ربه وسعيه إلى هداية فرعون وقومه ينتقل للحديث عن خروج هذا النبي ببني إسرائيل إلى كنعان وتخليصهم من عبودية المصريين. فقد قام موسى بواجبه وأدى رسالته لكنه وجد آذانا صما من فرعون وقومه فزاد الطاغية من تعذيب الاسرائليين وقدر الله أن ينهي المواجهة بين موسى وفرعون كما قدر الله أن تنتهي إقامة بني إسرائيل في مصر وان الأوان لخروجهم.فأوحى الله أن يجمع قومه ويخبرهم أنهم سيرحلون عن مصر ليلا. قال تعالى:" فاسر بعبادي ليلا إنكم متبعون" فخرج موسى ومن معه ليلا من ارض مصر مستعينين على ذلك بالسرية والكتمان حتى علم المصريون بخروجهم فاخبرؤا فرعون بذلك فعزم على إرجاعهم صاغرين وقد أشار القران إلى التعبئة التي قام بها فرعون لشعبه للحاق بموسى ومن معه قال تعالى:"فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون." فها هم بنو إسرائيل بقيادة موسى يخرجون تحت جنح الظلام ليلا وها هو فرعون يتبعهم وقت شروق الشمس مما يدل على سرعته في تنظيم صفوف جيشه وضبطه لهم قال تعالى : "فاتبعوهم مشرقين" . فقد استطاع فرعون وقومه اللحاق بالاسرائليين وقت الشروق وتراءى الجمعان لذلك لم يبق أمام الاسرائليين خيار ثالث فأما الموت على يد فرعون وجنده وأما الموت غرقا في البحر فاضطربت نفوسهم وتزعزع إيمانهم وخارت قواهم فقالوا لموسى والخوف يملا جوانحهم:"إنا لمدركون" فأجابهم موسى : "كلا إن معي ربي سيهدين" .فأمر الله موسى أن يضرب البحر بعصاه من باب الأخذ بالأسباب فنفذ موسى أمر ربه فإذا البحر ينفلق فلقتين فقال تعالى :" فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم" . فأنجى الله موسى ومن ومعه وعبروا إلى الجانب الآخر من البحرواصبح هذا الأخير فاصلا بين الفريقين ولما أراد موسى أن يضرب البحر ليرجع إلى ما كان عليه لئلا يكون لفرعون وجنوده وصول إليه وأتباعه فأمره الله أن يترك البحر على هذه الحال قال تعالى:"واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون " . ولما كان فرعون وجنوده وسط الطريق التي شقها الله لموسى والماء على إيمانهم وشمائلهم كالجبال العظيمة أمر تعالى الماء أن يطبق عليهم فنفذ الماء أمر مولاه وما هي إلا لحظات قليلة حتى كان فرعون وجنوده تحت الماء يصارعون الموت وفي اللحظات الأخيرة من حياته بين الأمواج المتلاطمة أعلن فرعون إيمانه بموسى وربى لكن أنى له ذلك فالغرغرة أخذت منه كل مأخذ ويذكر القران أن الله قد أنجى بدن فرعون ليكون للعالمين عبرة وموعظة. وقد ذكر القران حياة بني إسرائيل بعد أن أنجاهم الله من أعدائهم هذه الحياة المتسمة بالاضطراب والكفر تارة والإيمان تارة أخرى يقول تعالى في محكم تنزيله:"وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فاتو على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون" ولما انفصل موسى عن بلاد مصر وواجه بيت المقدس وجد فيها قوما من الجبارين من الحيثانيين والفزاريين والكنعانيين وغيرهم.
فأمرهم موسى عليه السلام بالدخول عليهم ومقاتلتهم وإجلائهم إياهم عن بيت المقدس فان الله كتبه لهم ووعدهم إياه على لسان إبراهيم الخليل فأبوا ونكلوا عن الجهاد فسلط الله عليهم الخوف وألقاهم في التيه يسيرون ويحلون ويرتحلون ويذهبون ويجيئون في مدة من السنين الطويلة هي من العدد أربعون كما قال الله تعالى :"وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا واتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وأنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فان يخرجوا منها فانا داخلون قال رجلان من الذين يخافون انعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون قال ربي إني لا املك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تاس على القوم الفاسقين." هاهنا القران يبرر سبب عقاب الله لبني إسرائيل بالتيه في صحراء سيناء أربعين سنة ويرجع ذلك إلى عنادهم وكفرهم وعدم ثباتهم على قتال الكفار وجهادهم ورفضهم دخول الأرض المقدسة. ويسهب القران في ذكر تفاصيل أخرى عن موسى مع بني إسرائيل في فترة الخروج فيحدثنا عن الوصايا العشر التي أوصى بها الله تعالى موسى وأمره بإبلاغها لبني إسرائيل.
ويذكر القران الكريم أن موسى عليه السلام بعدما عاد إلى قومه وجدهم يعبدون العجل قال تعالى:" وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وانتم ظالمون ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم انه هو التواب الرحيم ." ولما رجع موسى عليه السلام إليهم ورأى ما هم عليه من عبادة العجل ومعه الألواح المتضمنة التوراة ألقاها ثم اقبل عليهم فعنفهم ووبخهم وهجنهم في صنيعهم هذا القبيح فاعتذروا ولم يقبل الله توبة عابدي العجل إلا بالقتل ثم ذهب موسى يستغفر لهم فغفر لهم بشرط أن يدخلوا الأرض المقدسة.
 المبحث الثالث : مقارنة لقصة الخروج بين التوراة والقران الكريم:
إن قراءة متأنية لأحداث خروج موسى مع بني إسرائيل في كل من التوراة والقران الكريم تجعلنا نسوق مقارنة لهذه القصة من خلال النقاط الآتية: - لقد سرد القرآن قصة هروب بني إسرائيل من مصر دون ذكر التفاصيل الجغرافية والعددية الواردة في رواية التوراتية المشكوك فيها وهو بذلك قد سكت عن ذكر أسماء المكان وكذلك المدن التي بناها اليهود من قوم موسى.
- سكوت القران عن ذكر موت فرعون أثناء إقامة موسى في مدين.
- سكوت القران عن ذكر معطيات عن عمر موسى عندما خاطب فرعون.
- سكوت القران عن تحقيق الأرقام عن عدد قوم موسى. هذا العدد الذي ضخمته التوراة حيث أصبح غير معقول ستمائة ألف رجل وعائلاتهم يمكن أن يشكلوا تقريبا من مليوني ساكن.
- إغفال التوراة ذكر إيجاد جثة فرعون بعد موته.
- إثبات القران ظلم فرعون لقوم موسى.
- إثبات القران موت فرعون أثناء الخروج من مصر .
- عدم ذكر الروايتين اسم فرعون مصر.
- لم يحدد القران أي طريق للخروج بينما ذكرت له التوراة طريقا بكثير من الجزم.
- ذكرت التوراة العقوبات العشر التي ابتلى بها الله المصريين وأوردت عن كل واحدة منها كثيرا من التفاصيل. وللبعض منها شكلا وبعدا معجزا وقد عدد منها القران خمسا فقط.











خاتمة:
إن الدارس والمتتبع لسيرة بني إسرائيل، يكتشف مدى عمق و تشابك وغموض هويتهم، الناتج عن الاضطهاد والتشتت والمأساة، التي عاشوها في مختلف أطوار حياتهم، وكلهم أمل في الظفر بحلم الدخول إلى الأرض الموعودة. هذا الحلم الذي يسري في دمائهم منذ القدم.
وهذا ما اكتشفناه من خلال هذا العرض، الذي تتبعنا فيه حياة موسى عليه السلام، وتجربته الأليمة مع كل من فرعون والشعب الاسرائلي. سواء أثناء هروبه إلى مدين، أو خروجه إلى ارض كنعان، ومرحلة التيه في صحراء سيناء التي دامت أربعين سنة، والتي لاقى فيها الاسرائليون أنواعا من العذاب، نتيجة لضعف أنفسهم، وعدم إيمانهم بوحي الله ووعده.
كما اكتشفنا أيضا أن الروايتين القرآنية والتوراتية، يلتقيان في حديثهما عن نشأة موسى، وعن قصة الخروج، في كثير من النقط، على الرغم من اختلافهما في نقط جوهرية. وهذا يؤكد أن التوراة لا زالت تحتفظ ببعض شذرات الوحي الإلهي.




لائحة المصادر والمراجع:


- القران الكريم .
- الكتاب المقدس.
- قصص الأنبياء من القران والأثر، لابن كثير، دار الفكر، بيروت - لبنان.
- معجم الحضارات السامية، هنري عبودي، جروس برس، طرابلس لبنان، ط: 1991 .
- أطلس تاريخ الأنبياء والرسل،سامي عبد الله المغلوث، مكتبة العبيكان، ط:6 الرياض 1426ه.
- تاريخ الديانة اليهودية، محمد خليفة حسن احمد، الناشر:دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع القاهرة ط:1 1998 .
- التوراة والإنجيل والقران، موريس بوكاي، ترجمة: حسن خالد، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة 1990.
- تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم، محمد عزة دروزة، ج1، مطابع شركة الإعلانات الشرقية.
- رحلة بني إسرائيل إلى مصر الفرعونية والخروج، غطاس عبد الملك الخشبة، دار الهلال.

mohamed chliah

عدد المساهمات : 9
تاريخ التسجيل : 06/03/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مشكور اخي شليح

مُساهمة  zargane mohammed في السبت أبريل 03, 2010 5:22 pm






zargane mohammed

عدد المساهمات : 60
تاريخ التسجيل : 08/02/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى